قال الله تعالى:

{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا}
سورة الأحزاب — الآية 41

الذكر سمةُ أهل الإيمان وأصلُ طمأنينة القلوب:

{ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ}
سورة الرعد — الآية 28

وقد وصفت القرآنُ المؤمنين الذين يذكرون الله في كل أحوالهم:

{ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ}
سورة آل عمران — الآية 191

وفي هذه المقالة نعرض فضل الذكر والاستغفار بأدلتها الصحيحة، ثم وردًا عمليًا يسيرًا تدوم عليه بإذن الله.

الذكر: حياة القلب

قال النبي ﷺ:

«مثلُ الذي يذكرُ ربَّه والذي لا يذكرُه مثلُ الحيِّ والميتِ»
رواه البخاري 6407

فالذكر حياة القلوب، وغفلتُه موتُها؛ فكما أن الجسد لا يغني عن الطعام، فالقلب لا يغني عن ذكر الله. وفي الذكر معية الله لعبده؛ قال تعالى:

{فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ}
سورة البقرة — الآية 152

فمن ذكر الله أذكره الله بثنائه ورحمته، ونور وجهه وبياضِه عند الذكر في الملإ الأعلى كما ورد في الأثر عن الله تعالى: «أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه».

كلماتٌ ثقال في الميزان

قال النبي ﷺ:

«كلمتانِ خفيفتانِ على اللسانِ ثقيلتانِ في الميزانِ حبيبتانِ إلى الرحمنِ: سبحانَ اللهِ وبحمدِه، سبحانَ اللهِ العظيمِ»
رواه البخاري 6406 ومسلم 2694

وفي مسلم عن جويرية رضي الله عنها:

«لقد قلتُ بعدَكِ أربعَ كلماتٍ ثلاثَ مراتٍ لو وُزنت بما قلتِ منذُ اليومِ لوزنتُهنَّ: سبحانَ اللهِ وبحمدِه عددَ خلقِه ورضا نفسِه وزنةَ عرشِه ومدادَ كلماتِه»
رواه مسلم 2726

تسبيحٌ يحط الخطايا

من قال في يومه:

«سبحانَ اللهِ وبحمدِه مئةَ مرةٍ حُطَّت خطاياهُ وإن كانتْ مثلَ زبدِ البحرِ»
رواه البخاري 6405 ومسلم 2691

فلا عذر في ترك وردٍ هذا شأنه — مئة تسبيحةٍ تنهي بها يومك وقد حُطت بها خطاياك بإذن الله. ومن قالها حين يصبح:

«من قالَ حينَ يصبحُ وحينَ يمسي: سبحانَ اللهِ وبحمدِه مئةَ مرةٍ لم يأتِ أحدٌ يومَ القيامةِ بأفضلَ مما جاءَ به إلا أحدٌ قالَ مثلَ ما قالَ أو زادَ»
رواه مسلم 2692

تهليلٌ بعدد الأنفس

قال النبي ﷺ:

«من قالَ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، عشرَ مراتٍ، كانَ كمن أعتقَ أربعةَ أنفسٍ من ولدِ إسماعيلَ»
رواه البخاري 6404 ومسلم 2693

الاستغفار: طلب المغفرة والرزق

قال تعالى في وصية نوح لقومه:

{فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا}
سورة نوح — الآية 10

الاستغفار مفتاح المغفرة والرزق، وأعظم ما نستغفر به سيد الاستغفار، قال ﷺ:

«اللهمَّ أنتَ ربِّي لا إلهَ إلا أنتَ خلقتَني وأنا عبدُكَ، وأنا على عهدِكَ ووعدِكَ ما استطعتُ، أعوذُ بكَ من شرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لكَ بنعمتِكَ عليَّ وأبوءُ بذنبي فاغفرْ لي فإنه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ»
رواه البخاري 6306

وقال ﷺ فيه:

«من قالَها موقنًا بها حينَ يمسي، ثم ماتَ من ليلتِه، دخلَ الجنةَ»
رواه البخاري 6306

ومن أوكد ما جاء في الاستغفار قوله ﷺ:

«من قالَ أستغفرُ اللهَ الذي لا إلهَ إلا هو الحيَّ القيومَ وأتوبُ إليه غُفرَ له وإن كانَ فرَّ من الزحفِ»
رواه أبو داود 1517 والترمذي 3577 وصححه الألباني

أخطاء شائعة حول الذكر والاستغفار

  • حصر الذكر في التسبيح دون بقية الأذكار: الذكر يشمل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والدعاء وقراءة القرآن.
  • اعتقاد أن الاستغفار يغني عن التوبة: التوبة شرطٌ لقبول الاستغفار؛ فالمستغفر لا يكون مصرًّا على الذنب.
  • الاكتفاء بالذكر دون فعل الطاعات: الذكر مرافقٌ للعمل لا بديل عنه.
  • التذمر إذا لم تظهر ثمرة الذكر سريعًا: ثمرته طمأنينة القلب وثقله في الميزان وإن خفي على الناس.
  • ما يثبت فعلًا: أن الذكر حياة القلب، وأن كلماتٍ معدودة ثقال في الميزان، وأن سيد الاستغفار يوجب الجنة لمن قاله موقنًا — بنصوص صحيحة أعلاه.

خطة عملية: ورد الذكر اليومي

التوقيتما تقرأالفائدة
بعد كل صلاةالتسبيح والتحميد والتكبير 33 + التهليل إتمامًا للمئةحط الخطايا وذكر الله في يومك
الصباح والمساءسبحان الله وبحمدها 100مثل زبد البحر من الخطايا
المساءسيد الاستغفار مرة موقنًا بهاالجنة لمن مات عليها
يوميًالا إله إلا الله وحده لا شريك له 10 مراتعتق أربع أنفس من ولد إسماعيل
عند الهماستغفر الله العظيم وأتوب إليه 100المغفرة وإن فر من الزحف

استفد من المحتوى

خلاصة

الذكر والاستغفار من أيسر العبادات وأجلّها أجرًا: كلماتٌ خفافٌ ثقالٌ في الميزان، تسبيحةٌ تحط الخطايا، وسيدٌ للاستغفار يوجب الجنة. لا تتعذر بالوقت؛ فالذكر لا يشترط صفاء مكان، بل يشترط حضور قلب. ابدأ وردًا صغيرًا، ثم داوم عليه؛ فخير الأعمال أدومها وإن قل.

الأسئلة الشائعة

ما أفضل الذكر؟
أفضله ما كان من أذكار النبي ﷺ المأثورة؛ وقد ورد الحث على التهليل «لا إله إلا الله» والتحميد والتسبيح والتكبير، وحديثُ «أفضل الذكر لا إله إلا الله» مختلفٌ في ثبوته عند أهل الحديث، ولا يصح تفضيلُ وردٍ محدثٍ على المأثور.
هل الذكر يزيد الرزق؟
الاستغفار والذكر من أسباب الرزق بآية نوح «استغفروا ربكم إنه كان غفارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا»، فالذكر عبادةٌ وأسبابٌ بيد الله.
ما الفرق بين الذكر والتسبيح؟
الذكر أعم؛ فهو كل قولٍ يتقرب به العبد إلى الله كالدعاء وقراءة القرآن والتسبيح، والتسبيح تنزيهٌ لله بالقول «سبحان الله» وهو نوعٌ من أنواعه.
هل يلزم الخشوع الكامل في كل ذكر؟
لا يشترط، والله يثيب على حركة اللسان مع صدق القلب؛ لكن استحضار المعنى يزيد الأجر ويكمل الفائدة.
متى يكون الاستغفار مقبولًا؟
إذا كان مع صدقٍ في القلب وإقلاعٍ عن الذنب؛ فالاستغفار بلا توبة كالاستغفار مع الإصرار، ولا يغفر الله للمصر.
كيف أثبت ورد الذكر؟
اربطه بالأذكار التي بعد الصلوات، وابدأ بالصباح والمساء، واجعل له وقتًا ثابتًا؛ فما ثبت مع الصلاة لم يضعه صاحبه.