ختم الله سورة البقرة بآيتين عظيمتين جمعتا الإيمان والثناء والدعاء؛ وهما من آخر ما نزل من القرآن، وخصهما النبي ﷺ بفضلٍ عظيم. عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:

«من قرأَ بالآيتينِ من آخرِ سورةِ البقرةِ في ليلةٍ كفتاهُ»
رواه البخاري 4009 ومسلم 807

النص الكامل للآيتين:

{ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ}
سورة البقرة — الآية 285
{لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ}
سورة البقرة — الآية 286

من كنز تحت العرش

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:

«أُعطيتُ خواتيمَ سورةِ البقرةِ من كنزٍ تحتَ العرشِ، لم يُعطَهنَّ نبيٌّ قبلي»
رواه الترمذي 2884 وقال حسن صحيح

فما كان أعظم شأن هاتين الآيتين حتى كان من كنز تحت العرش! قال أهل العلم: وكونهما من كنزٍ تحت العرش إشارةٌ إلى عظيم منزلتهما وبركتهما على قارئهما.

ماذا في الآيتين؟

الآية الأولى: شهادة الإيمان

جاءت الآية الأولى ببيان إيمان الرسول والمؤمنين بجميع أصول الإيمان: بالله وملائكته وكتبه ورسله، من غير تفريق بين رسل الله، ثم ختمت بطلب المغفرة: «غفرانك ربنا وإليك المصير».

الآية الثانية: ميثاق الدعاء

جاءت الآية الثانية بأصول عظيمة:

  • التكليف بالوسع: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها؛ فلا مؤاخذة بما لا يطاق.
  • حساب الأعمال: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.
  • دعاء النجاة: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا.
  • دعاء العفو: واعف عنا واغفر لنا وارحمنا.
  • طلب النصر: أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.

فجمعت الآية أحسن الأدعية في أحسن موضع؛ ولذلك كانت ختامَ سورة البقرة التي هي أطول سور القرآن وأكثرها أحكامًا.

لماذا كانتا «كافيتين»؟

المعنى المشهور أن من قرأهما في ليلة كفتاه من كل ما يؤذيه ويهمّه؛ قال أهل العلم: كفتاه من شر الجن والهموم وأذى الليل، وجمعت له في القراءة ما جمعت من الإيمان والدعاء والثناء. وذُكر عن بعض السلف أنهما تكفيان صاحبهما من قيام الليل بالقرآن، إذ تتضمنان أصول ما يحتاج إليه العبد.

أخطاء شائعة حول الآيتين

  • الاعتقاد أن قراءتهما تعصم من كل شيء مطلقًا: الكفاية المذكورة رحمةٌ من الله لمن قرأهما بصدق، والحفظ النافذ بقدر الله.
  • قراءتهما بصيغٍ وأعدادٍ لم تثبت: الثابت قراءتهما في الليل؛ فلا تتجاوز ما ورد.
  • إهمال باقي القرآن بحجة هاتين الآيتين: هما وردٌ مبارك، لكن لا يغنيان عن تلاوة القرآن كله وتدبره.
  • ما يثبت فعلًا: أنهما من آخر ما نزل، وأن من قرأهما في ليلة كفتاه، وأنهما من كنز تحت العرش — بنصوص صحيحة أعلاه.

خطة عملية: ورد آخر البقرة

التوقيتما تفعلهالفائدة
قبل النوماقرأ الآيتين بتمامهماكفايةٌ بإذن الله
بعد العشاءراجعهما في وردك اليوميثبات الإيمان والدعاء
عند الهمتردد دعاءهماتفريج الكرب
مع أهلكعلّم أهلك وبنيك قراءتهماتعميم الخير

استفد من المحتوى

خلاصة

آخر آيتين من سورة البقرة ختامٌ مباركٌ لخير سور القرآن: إيمانٌ جامع، ودعاءٌ بكل خير، ووعدٌ بالكفاية لمن قرأهما في ليلة. من قرأهما حصل على الإيمان بالغيب والدعاء بجوامع الكلم، فاجعل لهما وردًا ثابتًا في ليلك وعلمهما أهلك؛ فخير ما تعيش عليه كلام الله.

الأسئلة الشائعة

ما معنى «كفتاه» في حديث آخر البقرة؟
كفته الشيطان والشر والأذى، وقيام ليلته؛ فمن قرأهما كفاه الله ما يهمّه من أمر ليلته بإذنه سبحانه.
هل تختص قراءتهما بالليل؟
ورد الفضل بالليل في حديث «من قرأهما في ليلة كفتاه»، وقراءتهما في أي وقتٍ من الأوقات مباركة، لكن ورد الليل ثابت.
ما عدد آيات سورة البقرة؟
مائتان وست وثمانون آية، وآخرها هاتان الآيتان العظيمتان.
هل تجوز قراءتهما بعد كل صلاة؟
لم يثبت تخصيصهما بعد الصلاة؛ فالسنة دبر الصلاة آية الكرسي، وقراءة الآيتين وردها في الليل.
ما مناسبة نزولهما؟
نزلتا في قصة تتعلق بما كان مع الإسرائيليين، ويقال إن الله أنزلهما وأعطى النبي ﷺ الدعاء الذي فيهما بعد أن رُفعت سهام التوفيق عنه — والثابت منهما حديث الكنز والكفاية دون تفاصيل سبب النزول.